الصحافة // 12. المتفرّقات

presse23

ما هي المكانة المخصّصة لـ “الحوليّات”؟ يشكّل هذا السؤال أحياناً مصدر جدل. فهو يضع وجهاً لوجه، بشكل عام، الصحافة الشعبية والصحافة النخبوية. غير أنّ الجواب بديهي: تشكّل المتفرّقات جزءاً من الحياة اليومية. هي عادية شأنها شأن الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. “فمَن يقول الحقيقة” لا يمكنه تجاهُل واقعها. غير أنها عبارة عن أحداث تولِّد ردات فعل بين الناس. يتمثّل السؤال الحقيقي في معرفة كيفية معالجة هذه المتفرّقات. 

المتفرّقات = المجتمع البشري بحالته الخام

الأحداث المتفرّقة هي عبارة عن أحداث من لحم، ودم، ودموع، وأوجاع. وهي تُحدِث دائماً صدمة عاطفية. بالتالي، فإنّ معالجتها تتطلّب ترك مسافة أكبر إزاءها قياساً بغيرها من الأحداث.

قد يكون لانعدام الدقة البسيط تداعيات خطيرة على الأشخاص المعنيّين.

  • تحديد المصادر الموثوقة: رجال الشرطة، والدرك، وعمّال الإطفاء، ورجال الإنقاذ، والمُسعفين، والطاقم الطبي. 
  • الاتفاق على لقاء يومي مع الأشخاص المتوفّرين أكثر من غيرهم.
  • الجمع بين المعلومات المستقاة من مصدر معيّن والمعلومات الواردة من مصدر آخر. 
  • طلب رأي الشهود المحتمَلين.
  • البقاء ضمن نطاق عرض الأحداث.
  • الإمتناع عن أخذ موقف معين بشأن المسؤوليات.
  • ترك مسافة معيّنة إزاء المحاضر الرسمية: لا نكتب ما يلي، حتى وإن وردَ في المحضر: “تجاوزت سيارة الضوء الأحمر وقامت بصدم أحد المارّة”. بل نكتب، مستخدِمين الصيغة الشَرطية، مع اعتماد بعض التدابير الاحترازية ذات الصلة بالأسلوب: ” جرى صدم أحد المارّة وقتله بفِعل سيارة قد تكون اجتازت الضوء الأحمر…” حسبما ورد من إستنتاجات الشرطة وبعض الشهادات التي تمّ جمعها.

المتفرّقات هي “أمور يعيشها” كل الناس

المتفرّقات هي أحداث تقع فجأة، على مفترق الطرق بين كافة الجوارات: الجوار الجغرافي، والزمني، والعاطفي. هي تطال كل الناس بما أنها قد تقع في أي مكان وبأي طريقة، وقد تطال أي كان. من هنا، ينبغي معالجتها مع الأخذ بالحسبان قوة تأثيرها.

يجب إحترام الحياة الشخصية وكرامة الناس

يشكّل احترام حق الفرد في الحفاظ على حياته الشخصية وكرامته جزءاً من القواعد المهنية التي ترعى مهنة الصحافة. هذا ما يُجبر الصحافي على التحلّي بضبط النفس في معالجة المتفرّقات التي تطال الأشخاص العاديين، فضلاً عن الفصل بين حق الجمهور في الحصول على المعلومات وحق الفرد في الحفاظ على حياته الشخصية عندما تطال المتفرّقات شخصيات عامة.

7 المتطلبات

1. المحافظة على هوية الأشخاص الخاصّين المشمولين بالمتفرّقات. فأبسط مجانسة، وأي طيش لا إرادي، وإفشاء تفصيل معين هي أمور من شأنها افتعال مشكلة. فإنّ مجرّد ذِكر إسم شخص علناً، في إطار تحقيق معيّن تُجريه الشرطة أو في أي تحقيق قضائي، قد يشكّل تعدّياً خطيراً ودائماً.

2. إخفاء أرقام لوحات تسجيل السيارات المشمولة بحادث مرور معيّن.

3. الإمتناع عن عرض كلّ ما يتعلّق بالحياة الحميمة، لاسيّما حين يرتبط الأمر بعمليات إنتحار.

4. الإمتناع عن إعطاء التفاصيل المتعلّقة بالجرائم الجنسية لعدم المساهمة في استراق النظر إلى التفاصيل الخاصة.

5. الإمتناع عن إضفاء الطابع الشخصي على الإجابات عن الأسئلة التالية: “مَن؟ ماذا؟ كيف؟”…

6. الإمتناع عن استعمال المدلولات. فالمدلولات تقوم بتشويه الأحداث. فلا يُكتَب: ” سائق مستهتر إفريقي…” أو “سائق مستهتر أوروبي…” بل يُكتب بإختصار: “سائق مستهتر”، ذلك أنّ “نوع” سائق السيارة ومظهره وأصوله لا تمتّ بأيّ صلة إلى طريقة قيادته.

7. يجب إحترام فرضية البراءة. فسواء كان الأمر يشمل شخصية خاصة أو عامة، يحقّ لكل شخص مشمول بالقضية حماية شرَفه وشخصيته حتى وإن كان مُشتبهاً به من قِبل سلطة مخوَّلة الحكم عليه.

كلّما كان الانفعال أقوى، كلّما وَجُب اعتماد الحياد في الكتابة

أكان الأمر متعلقاً بالكوارث الطبيعية أو بالجرائم، تُحدِث المتفرقات إنفعالات لا تدعو الحاجة إلى تعظيمها بفِعل الكتابة. فمعالجة المتفرّقات تفترض الرصانة. يُحرَّم استخدام الصفات التالية (“فتاك”، و”مأساوي”، و”مروّع” و”فظيع”…).

المواضيع الحسّاسة تفرض إستخدام تعابير صائبة

يتمثّل الحياد في الكتابة في استعمال الكلمات التي تتناسب مع الحالات الدقيقة. كلّ “الإغتيالات” هي “عمليات قتل”، لكنْ، ليست كلّ “عمليات القتل” بمثابة “إغتيالات”. فالإغتيال يعني القتل المتعمَّد. أمّا “القتل” فيعني قتل شخص ما، لكنّ “القتل” قد يكون “متعمداً” أو “غير متعمّد”. كما أنّ “الشاهد” ليس “متهماً”، و”المشتبه به” ليس “مذنباً”. “الشخص المُشار إليه على أنه مُذنب” ليس “محكوماً عليه بأنه مذنب”. من هنا، تفترض معالجة المتفرّقات على الصحافي المهني واجب التعرّف على القاموس الخاص بالعدالة كي يستعمل الكلمات المناسبة في معرِض معالجته للمواضيع التي من شأن استخدام أي كلمة غير مناسبة فيها التسبّب بوقوع أضرار لا يمكن العودة عنها.

“الأحداث المجتمعية”

تطال معالجة المتفرّقات القِيَم المتجذّرة في حياة الأشخاص: الحب، الكره، المحبة، الخيانة، الثقة، انعدام الثقة… هي في الوقت عينه إنعكاس ومرآة للأمور الكونية. تأخذ بعض المتفرّقات منحى سوسيولوجياً يُخرجها من القالب المشترك. فتُصبح بالتالي “أحداثاً مجتمعية”. إنّ قيام الأم، في عائلة محرومة من الموارد، بسرقة الطعام من السوبرماركت لإطعام أولادها، يُعَدّ أكثر من مجرّد سرقة متجر ليتحوّل إلى واقع يعكس الظروف التي يمرّ بها البشر. إنّ إقدام شاب عاطل عن العمل في أفريقيا على قتل نفسه، قد يكون نذيراً باندلاع ثورة مقبلة… حين تتحول المتفرقات إلى وقائع مجتمعية، تدخل بالتالي في الحقل الصحفي الخاص بالتقرير الصحفي أو التحقيق. لكنْ، حذار من الوقوع في الفخ: لا يجب الخلط بين معالجة المسائل الهامة وبين اللعب على العواطف! فكلّما كان الحدث ساخناً أكثر، كلّما وَجُب على الصحفي البقاء بارداً أكثر.

Website by La Confiserie

Licence Creative Commons