Menu

23. “خدمة ما بعد البيع”

مع صدور الصحيفة، ينبغي على الصحافي تحمّل مسؤولية محتواها. من الطبيعي، لا بل السليم، أن يخضع إنتاجه التحريري للحُكم الناقد الصادر عن نظرائه وقرائه. ويفرض عليه تطوّر وسائل الاتصال تضمين تنظيم عمله إقامة حوار دائم وصريح مع الأشخاص الذين يمنحون ثقتهم لكتاباته.

الخضوع لمساءلة القراء

كلما تمتّع الصحافي بميزة ممارسة مهنته المتمثلة في “إخبار الحقائق” بكل حرية، وبإسم حق الناس في الحصول على معلومات صحيحة، لا يحرم الصحافي نفسه أبداً من مساءلة الآخرين: الأشخاص المُنتخبين، والسلطات العامة، والإدارات، والمنظمات، والجمعيات، والمؤسسات، والأندية، إلخ. في المقابل، من الطبيعي أن يخضع الصحفي لمساءلة الآخرين بشأن ممارساته المهنية وكتاباته.

الردّ على بريد القراء ليس سخرة بل علاوة.

القارئ الناقد – شأنه شأن أي زبون – دائماً على حق من حيث المبدأ حتى – وبخاصة- عندما يقرأ النص بطريقة عكسية، أو يخطئ في تحديد نوايا الكاتب، أو يرتكب خطأ مثل عكس المعنى أو خطأ في التأويل، يحقّ له انتظار اللياقة والاحترام من قِبل الصحفي الذي يستجوبه بشأن ما ينشره. تُظهر التجربة أنّه في حال قَبِل الصحفي النقد وردّ على القارئ بحسن نيّة، فسيبدو هذا الأخير متفهماً، وحتى متصالحاً، وصولاً حدّ الإقرار أحياناً “بعدم فهم ما ورد” كما ينبغي. إنّ إقامة حوار مع القارئ تمثّل دوماً قيمة مضافة إلى مهنة الصحافة، ومادة للتفكير يستقي منها الصحفي التعاليم. من هنا، تتمثل الطريقة الأبسط لكسب القراء، عندما نكون في موقع الإدارة في الصحيفة، في زيادة المساحة المخصصة، في صفحات الجريدة، لنشر رسائل القراء.

حقّ الرد هو حقّ أساسي

يشكّل الحصول على حق الرد على إساءة شخصية أكثرَ الحقوق قدسية من بين حقوق القارئ. ما من شيء، ما من تشريع، ما من جدال عقيم عليه عرقلة نشر ردّ القارئ الذي تمّ الإتيان على ذكره أو الإشارة إليه في مقالة ما. يحب أن يكون هذا الرد، بالتأكيد، متوازياً مع المقالة المُدانة. ذلك أنّه يمكن مناقشة طوله ومحتواه ونبرته وشكله، فضلاً عن البحث في هذه العناصر والتفاوض بشأنها. فكون الشخص قد تمّ التشكيك فيه بطريقة مفرطة لا يمنحه الحق في التشكيك بدوره بطريقة مبالغ بها. لكن، على كل الأحوال، لا يجب أن يمنع شيء أو شخص نشر “حق الرد” المُطالب به بطريقة مشروعة. من ثمّ، لا شيء يمنع الصحفي من مناقشة هذا الأمر مع القراء الآخرين بحرّية. لكن حذار: يستطيع غالبية القراء التمييز بين النية الحسنة والنية السيئة…

تصحيح الأخطاء أمر واجب

أفضل طريقة يستطيع فيها الصحفي إظهار حسن نيّته إزاء قرّائه هي التصحيح العفوي للأخطاء التي يرتكبها. فالصحيفة التي لا تنشر أبداً تصويبات ليست بالصحيفة النزيهة. قد يصادف أن يخطئ الصحافيون في كتاباتهم. وإذا كانت بعض النقاط غير الدقيقة تمرّ دون تداعيات، إلاّ أنّ الأخطاء الأخرى، في المقابل، قد تخلِّف تداعيات خطيرة. من هنا، فإنّ التصويب الضروري يندرج ضمن القواعد غير القابلة للمس، والتي تحظى بالاحترام في الصحف الكبرى. ولجعل هذه “الخدمة” في متناول القارئ بسهولة، يتمّ عادةَ نشر التصويبات في الزاوية نفسها من الصفحة نفسها.

***

في هذه الزاوية سأقوم غداً بنشر التصويب التالي، مستخدماً جملتيْن رزينتيْن بقدر الإمكان، دون البحث عن أدنى عُذر: “على عكس ما كتبنا في تقريرنا الصحفي حول وصول قيصر إلى بريطانيا العظمى، والذي صدرَ بالأمس في الصفحة رقم 3، ليس إبن أخ قيصر، أوكتاف، هو مَن يقود سلاح الفرسان الروماني، لكن بروتوس، إبنه بالتبنّي. نرجو من قرّائنا أن يسامحونا على هذا اللغط.”

إنشاء وسيط؟ نعم ولكن…

أصبح القراء قيّمين جداً بالنسبة إلى الصحافة المكتوبة لدرجة أنّ الصحف تقوم أكثر فأكثر بتكليف شخصية “ذات صفة” – “أمين مظالم” أو “وسيط” – إقامة نقاش علني مع القراء والرد على اعتراضاتهم بشأن المحتويات التحريرية. هكذا، وبشكل عام، يشكّل بريد القراء، مرة في الأسبوع، مادة “تربوية” للنقد الذاتي. غير أنّ هذه الرغبة في التحلّي بالشفافية لا تعط النتائج نفسها في كافة المحافل. فكلّ شيء رهنٌ “بتوصيف” الشخصية “التي تتمتّع بصفة معيّنة”، والتي وقع الخيار عليها لأداء دور الوسيط هذا… أو دور الشاشة. من هنا، ينبغي أن تكون هذه الشخصية قد مارستْ مهنة الصحافة بنفسها، وأن تعرف حقّ المعرفة كل الخيوط الرفيعة ذات الصلة بهذه المهنة، وذلك من أجل ممارسة هذه الوظيفة بمشروعية في محلّها.